بقلم الدكتور سعود الجودي
السلطان والساحر والغلام
يروى أن
سلطاناً كان يستعبد الناس بواسطة ساحرٍ له .. ولما كَبُر الساحر قال لسيده السلطان
.. لقد كَبِرتُ .. وأريد أن تبحث لي عن غلامٍ أعلمه السحر ليخلفني .. في تسخير
الناس لك .. فوجد السلطان غلاما ذكياً ..وجاء به وصار يعيش في قصر السلطان..
فأجبره السلطان أن يذهب ليتعلم السحر من ساحر كافر... وهذا الساحر كان يعلمه السحر
ليكون خليفة له في السحر... وكان الغلام الشاب الصغير يمر في طريقه على راهب يتعلم
منه الإيمان والتوحيد .. وكان هذا حاله كل يوم .. يمر على راهب يعلمه الدين ..
وساحر يعلمه الكفر برب العالمين .. لكن الغلام مؤمن .. صادق الايمان .. انفضح أمره
.. وانكشف سره.. فهدده السلطان بقوله ..
أقتلك أو ترجع عن دينك .. قال .. لا أرجع عن ديني .. فأرسله مع الجنود ليرمى به في
البحر فيغرق .. فلما توسط البحر وأرادوا أن يرموه في البحر .. رفع يديه إلى السماء
... وقال .. اللهم اكفنيهم بما شئت يا رب أنت حسبي .. أتوكل عليك أن تكفيني شرّ
هؤلاء الجنود بما شئت .. فاهتز المركب بالجنود وسقطوا .. وغرقوا جميعا ولم يبق إلا
الغلام ... ثم رجع الغلام يمشي على رجليه
إلى السلطان مرة أخرى ... فخاف السلطان
منه ... وقال ... ما الذي جاء بك .. أين الجنود ... كيف لم تمت ... فأخبره
بالخبر .. قال ... الآن أقتلك حقيقة ... وأرسله مع جنود آخرين ليرفعوه إلى أعلى
جبلٍ .. ليرموه من هناك إلى الأرض فيهلك ... والغلام مربوط مقيد ...ومعه الجنود
... قال الغلام .. اللهم اكفنيهم بما شئت ... فما ان انتهى من هذه الكلمات حتى
اهتز الجبلُ ... فسقط الجنود وبقى الغلام ..إن جنود الله أعظمن من جنود اللسلطان
.. هذه الجبال .. وتلك الرياح .. وهذه البحار.. كلها جنود لله جل في علاه .. وما
يعلم جنود ربك الا هو .. المدثر.. واحد وثلاثون .. سقط الجنود .. ورجع الغلام يمشي
على قدميه إلى السلطان ... فلما دخل على السلطان للمرة الثالثة ... خاف السلطان
منه واقتنع أن في الأمر شيئاً غريبا ... فقال له الغلام ... أتريد أن تقتلني ..
قال .. نعم... قال .. إذا أردتَ قتلي .. فاسمع ما أقوله لك... قال .. إذا أردت أن
تقتلني حقاً فأنا أدُلُّك ... اجمع الناس
على صعيدٍ واحد ... وعلى أرض واحدة .. ثم اربطني في جذع شجرة ... ثم خذ سهما من
كنانتي .. لا تأخذ أي سهمٍ غيرِه وإنما سهماً من كنانتي أنا ... ثم أنت الذي
ترميني .. ليس غيرُك ... وقبل أن ترميني ترفع صوتك أمام الناس وتقول .. بسم الله
رب الغلام .. ثم ترميني بالسهم .. وإنك بهذا قاتلي .. وليس هناك طريقة أخرى لقتلي
إلا هذه .. السطان الآن نسي كل شيء .. أهم شيء عنده أن يموت الغلام ... وأصبح
تفكيره أقتلُ الغلامَ .. ثم أفعل بعد هذا ما أفعل ... فجمع السلطانُ الناس في صعيد
واحد .. والناس كلهم مجتمعون ينظرون .. والسلطانُ يأخذ سهما من كنانة الغلام ..
ويريد أن يرمي بالسهم ... ثم يقول قبل أن يرمي بالسهم .. بسم الله رب الغلام .. ثم
يرمي بالسهم فيأتي السهم على صدر الغلام ... ويسيل الدم ثم يموت الغلام ... فلما
مات الغلام بدأ الناس كلهم يهللون .. لا إله إلا الله .. لا إله إلا الله .. رب
الغلام ... لا اله الا الله رب الغلام ... فالتفت السلطانُ ما الذي حدث .. ما الذي
جرى ... انفجرت المدينة بالتهليل .. وآمن كل من في المدينة .. انطلق التوحيد ..
السلطان استغرب من الأمر ... هذا الذي كان
يخشاه قال لجنوده .. مروهم بالكفر والردة .. فما استطاعوا .. قال .. احفروا لهم
الاخاديد والحفر... حفروا لهم الحفر ... وأشعلوا فيها النيران .. أخذوا الناس
واحدا واحدا .. ترتد عن دينك او نرميك في النار .. فإذا هو يرمي بنفسه في النار
... كلما جاءوا لواحد يرمونه في النار
... ردد لا اله الا الله رب الغلام
... لا إله الا الله رب الغلام .. آمنت بالله رب الغلام .. والسلطان يشاهد ويتعجب ... شعبه كله يحترق
.. أي أيمان هذا ... أي دين هذا ... اي عقيدة تلك .. حتى جاءوا بامرأة تحمل رضيعاً
صغيراً .. قالوا لها .. ترتدين عن دينك وإلا رميناك في النارقالت .. ارموني في
النار ولكن اتركوا الغلام يعيش.. قالوا .. بل نرميه معك .. فترددت المرأة .. هذا
الغلام ترمونه معي في النار، ما ذنبه .. ما جريمته .. تخيل.. طفل صغير ترددت
المرأة وكأنها ارادت الرجوع.. ولكن الله انطق الغلام في المهد ... فقال: يا اماه
اثبتي فإنك على الحق ... فرمت بنفسها ورضيعها في النار .. قال سبحانه ( قتل أصحاب
الاخدود .. النار ذات الوقود ... إذ هم عليها قعود .. وهم على ما يفعلون بالمؤمنين
شهود ) كلهم شهود ينظرون الى الناس
يحترقون .. (وما نقموا منهم الا ان يؤمنوا بالله العزيز الحميد .. الذي له ملك
السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد) سورة البروج ..
العبرة من القصة ..
الصبر والثبات على الحق رغم الشدائد ..
الله لا يضيع أجر المؤمنين الذين
يثبتون على دينهم ...
الظلم والطغيان لا يدومان ... والحق
غالب دائمًا ...
الإيمان بالله والتوكل عليه ينجي
الإنسان من كلّ الفتن.
هذا وصلى الله عل نبينا محمد و آله
وصحبه وسلم تسليما كثيرا ..
بقلم الدكتور سعود الجودي
تعليقات