التخطي إلى المحتوى الرئيسي

عقوبات تعجل في الدنيا .. بقلم الدكتور سعود الجودي

اقتضت حكمة الله عز وجل أن يعجل عقوبة بعض الذنوب في الدنيا، وقد يكون ذلك من باب الاعتبار والاتعاظ بما يصيب العصاة كما هو الحال في الظالمين وقاطعي الأرحام وحالفي الأيمان الكاذبة، وقد يكون تعجيل العقوبة من باب إرادة الخير بالمؤمن لأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وتفصيل ذلك كما يلي: إن تعجيل العقوبة في الدنيا ثابت في مجموعة من الأحاديث، فمن ذلك ما ورد في تعجيل عقوبة المستهزئ بالسنة النبوية فقد ورد في الحديث عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: أن رجلاً أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله، فقال صلى الله عليه وسلم: ( كل بيمينك ) قال: لا أستطيع ، قال صلى الله عليه وسلم( لا استطعت ) ما منعه إلا الكبر، فما رفعها إلى فيه - فمه - ، أي شلت يده ، رواه مسلم ، فهذا الرجل لما أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالأكل بيمنه لم يعجبه ذلك تكبراً على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا عليه فشلت يده. ومن ذلك أيضاً ما ورد عن أبى هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ) : بينما رجل يتبختر يمشى في برديه قد أعجبته نفسه فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ) رواه مسلم. ومن الذنوب التي قد يعجل الله عقوبتها في الدنيا الظلم والبغي وقطيعة الرحم فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ليس شيء أُطيعَ الله فيه، أعجل ثواباً من صلة الرحم، وليس شيء أعجل عقاباً من البغي وقطيعة الرحم واليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع ) رواه البيهقي وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة 2/706، وبلاقع، جمع بلقع وبلقعة ، وهي الأرض القفر التي لا شجر فيها ، ذكره الزبيدي ونقل عن بعض العلماء ، أن معنى الحديث [ أي يفتقر الحالف ويذهب ما في بيته من المال ، أو يفرق الله شمله ويغيّر ما أولاه من نعمة ] تاج العروس 11/30 . وفي رواية أخرى: ( إن أعجل الطاعة ثواباً صلة الرحم، وإن أهل البيت ليكونون فجاراً، فتنمو أموالهم، ويكثر عددهم، إذا وصلوا أرحامهم، وإن أعجل المعصية، عقوبة البغي والخيانة، واليمين الغموس يذهب المال ويثقل في الرحم، ويذر الديار بلاقع ) رواه الطبراني في الأوسط وقال العلامة الألباني: إنه صحيح بمجموع طرقه وشواهده. وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اليمين الفاجرة تذهب المال) رواه البزار بسند صحيح، كما قال ابن حجر الهيتمي في الزواجر عن اقتراف الكبائر 2/404. وجاء في الحديث أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( ما من ذنب أجــدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره في الآخرة من البغي و قطيعة الرحم ) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح. ومن الذنوب التي قد يعجل الله عقوبتها في الدنيا حلف اليمين الكاذب ليستحل دماء الناس وأموالهم، كما ثبت في صحيح البخاري في الحادثتين التاليتين: الأولى: روى الإمام البخاري بسنده، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ( إن أول قسامة كانت في الجاهلية، لفينا بني هاشم، كان رجل من بني هاشم استأجره رجل من قريش، من فخِذٍ أخرى، فانطلق معه في إبله فمر به رجل من بني هاشم قد انقطعت عروة جوالقه، فقال: أغثني بعقال أشد به عروة جوالقي لا تنفر الإبل فأعطاه عقالاً، فشد به عروة جوالقه، فلما نزلوا، عقلت الإبل إلا بعيراً واحداً، فقال الذي استأجره: ما شأن هذا البعير لم يعقل من بين الإبل ؟ قال: ليس له عقال، قال: فأين عقاله ؟ قال: فحذفه بعصاً كان فيها أجله، فمر رجل به من أهل اليمن فقال: أتشهد الموسم ؟ قال: ما أشهد، وربما شهدته، قال: هل أنت مبلغ عني رسالة مرة من الدهر ؟ قال: نعم، قال: فكتب، إذا أنت شهدت الموسم فناد يا آل قريش، فإذا أجابوك فناد يا آل بني هاشم، فإن أجابوك، فسل عن أبي طالب، فأخبره أن فلاناً قتلني في عقال، ومات المستأجَر، فلما قدم الذي استأجره، أتاه أبو طالب فقال: ما فعل صاحبنا ؟ قال مرض فأحسنت القيام عليه، فوليت دفنه ، قال: قد كان أهل ذاك منك فمكث حيناً، ثم إن الرجل الذي أوصى إليه أن يبلغ عنه، وافى الموسم فقال: يا آل قريش، قالوا هذه قريش، قال يا بني هاشم، قالوا: هذه بنو هاشم، قال: من أبو طالب ؟ قالوا: هذا أبو طالب، قال: أمرني فلان أن أبلغك رسالة، أن فلاناً قتله في عقال، فأتاه أبو طالب فقال له: اختر منا إحدى ثلاث، إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل، فإنك قتلت صاحبنا وإن شئت، حلف خمسون من قومك، أنك لم تقتله، فإن أبيت، قتلناك به، فأتى قومه، فقالوا نحلف، فأتته امرأة من بني هاشم كانت تحت رجل منهم قد ولدت له، فقالت: يا أبا طالب، أحب أن تجيز أبني هذا برجل من الخمسين ولا تصبر يمينه حيث تصبر الأيمان، ففعل، فأتاه رجل منهم فقال: يا أبا طالب، أردت خمسين رجلاً أن يحلفوا مكان مئة من الإبل، يصيب كل رجل بعيران، هذان بعيران فاقبلهما مني ولا تصبر يميني حيث تصبر الأيمان فقبلهما، وجاء ثمانية وأربعون، فحلفوا، قال ابن عباس: فالذي نفسي بيده ما حال الحول ومن الثمانية وأربعين عين تطرف ) . الثانية : روى الإمام البخاري بسنده عن أبي قلابة حديثاً طويلاً وفيه : وقد كانت هذيل خلعوا خليعاً لهم في الجاهلية، فطرق أهل بيت من اليمن بالبطحاء، فانتبه له رجل منهم، فحذفه بالسيف فقتله، فجاءت هذيل فأخذوا اليماني، فرفعوه إلى عمر بالموسم وقالوا: قتل صاحبنا، فقال: إنهم قد خلعوه، فقال: يقسم خمسون من هذيل ما خلعوه، قال: فأقسم منهم تسعة وأربعون رجلاً، وقدم رجل منهم من الشام، فسألوه أن يقسم، فافتدى يمينه منهم بألف درهم، فأدخلوا مكانه رجلاً آخر، فدفعه إلى أخي المقتول، فقرنت يده بيده، قالوا فانطلقنا والخمسون الذين أقسموا حتى إذا كانوا بنخلة أخذتهم السماء -أي المطر- فدخلوا في غار في الجبل، فانهجم الغار على الخمسين الذين أقسموا، فماتوا جميعاً وأفلت القرينان وأتبعهما حجر فكسر رجل أخي المقتول فعاش حولاً ثم مات (. ومن الذنوب التي يخشى أن يعجل الله عز وجل عقوبتها في الدنيا سب العلماء وأكل لحومهم كما قال الحافظ ابن عساكر يرحمه الله:[ اعلم يا أخي وفقني الله وإياك لمرضاته وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته أن لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هتك منتقصيهم معلومة وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) . وأما كون تعجيل العقوبة في الدنيا من باب الخير للمؤمن فقد ورد في الحديث عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أراد الله بعبده الخير عجَّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبـــه حتى يوافيه به يوم القيامة ) رواه الترمذي وقال العلامة الألباني حسن صحيح. وهذا التعجيل رحمة بالمؤمن لأن عذاب الآخرة أشد وأبقى كما قال تعالى:‏ { ‏ولعذاب الآخرة أشد وأبقى‏}‏ ‏سورة ‏طه‏ الآية ‏127‏. وصح في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للمتلاعنين‏:‏ ‏(‏ إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ‏)‏ ‏رواه البخاري ومسلم‏.‏ وأخيراً ينبغي التنبيه على أنه لا يجوز للمسلم أن يتمنى تعجيل العقوبة في الدنيا ولا يجوز له أن يدعو الله أن يعجل له عقوبة الذنوب في الدنيا قبل الآخرة بل ذلك من فعل الكفرة كما قال تعالى: { وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب } سورة ص الآية 16. وقال تعالى:{ وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذابٍ أليم } سورة الأنفال الآية 32. وصح في الحديث عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلاً من المسلمين قد خفت – أي ضعف - فصار مثل الفرخ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه ) قال نعم كنت أقول اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سبحان الله لا تطيقه - أو لا تستطيعه - أفلا قلت اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار قال فدعا الله له فشفاه. ) رواه مسلم. وخلاصة الأمر أن الله قد يعجل عقوبة بعض الذنوب كما في عقوبة الظالم فإن الله يمهل ولا يهمل وكما هو الحال في قاطع الرحم والعاق لوالديه وآكل حقوق الناس والمعتدي عليهم بيمينه الكاذب، وقد يكون تعجيل العقوبة في الدنيا رحمة بالمؤمنين لأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، أجارنا الله وإياكم منه. ==========

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

  أحوال الناس يوم القيامة ( 1 )      الحمد لله جامع الناس ليوم لا ريب فيه ، إن الله على كل شيء قدير ، ( ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير ) وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وهو اللطيف الخبير ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، البشير النذير ، والسراج المنير ، المبعوث بأسس الحق وأصول الإيمان والخضوع للملك الديان ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليماً. أما بعد أيها الناس : اتقوا ربكم ، واعلموا أنه ما خلقكم عبثاً ولن يترككم سدى، وإنما خلقكم لتعبدوه ، وتقدموا بدينه وتطيعوه ، وتقدموا لليوم الآخر، فلا بد أن تلاقوه.: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} [الحج:1،2] : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يوماً لاَ يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن...
  بقلم / الدكتور سعود غازي الجودي كيف بدأ التواصل بين البشر بالكلام .. وكيف بدأت الكتابة  تخيل معي المشهد …    قبل عشرات الآلاف من السنين، في كهف على أطراف سهول خضراء، جلس إنسان بدائي مع أسرته حول نار مشتعلة .    كانوا لا يعرفون الحروف ولا الأرقام، لكن أصواتهم كانت تحمل المعاني : صرخة تحذر من الخطر، نغمة منخفضة تدل على الأمان، وإيماءات باليد تكمل الكلام .     مع مرور الزمن، بدأوا يربطون بين الأصوات والأشياء: صوت مميز يعني "ماء"، آخر يعني "نار"، وثالث يعني "صيد ". وهكذا، وُلدت اللغة الشفوية… وسهّلت التعاون، الصيد، والحكايات حول النار . مرت آلاف السنين … وفي حضارة بلاد الرافدين، كان الفلاحون يزرعون القمح والشعير، ويحتاجون لتسجيل ما يزرعون وما يخزنون .    فبدأوا يرسمون على ألواح طينية: سنبلة صغيرة تعني الحبوب، ورمز مثلث يعني الجبل .    هذه الرموز تطورت، من صور إلى إشارات مجردة، حتى أصبحت الكتابة المسمارية .     وفي مصر، رسم الكتبة الطيور والعين والشمس على جدران المعابد، لتروي قصص الملوك والحر...

أمير المؤمنين البخاري رحمه الله

  بقلم الدكتور سعود غازي الجودي أمير المؤمنين البخاري رحمه الله    أمير المؤمنين البخاري لم يكن أمير المؤمنين سياسيًا مثل الخلفاء، بل لُقّب بـ “ أمير المؤمنين في الحديث ” أي أعلم الناس في علم الحديث الشريف، وهذا لقب تشريفي يدل على مكانته العظيمة بين المحدثين . ولقب أمير المؤمنين عند أهل الحديث درجة عالية .. وكذلك يسمى مسلم أمير المؤمنين ، وإذا كان الحديث مروياً من قبل البخاري ومسلم ..قالوا رواه الشيخان ..فهما عند المسلمين أعلا رواة الحديث .. سيرة الإمام محمد بن إسماعيل البخاري .. اسمه ونسبه : هو الإمام محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَردِزْبَه الجُعْفي البُخاري . ولد في مدينة بُخارى (في أوزبكستان حاليًا) سنة 194 هـ / 810م . نشأته وطلبه للعلم :   توفي والده وهو صغير، فنشأ يتيمًا في كنف أمّه التي كانت امرأة صالحة . ظهرت عليه علامات الذكاء منذ الصغر؛ حفظ القرآن صغيرًا، ثم بدأ بحفظ أحاديث النبي ﷺ . حفظ آلاف الأحاديث وهو لم يبلغ العاشرة ! سافر في صباه إلى مكة والمدينة والعراق ومصر والشام ليجمع الحديث من كبار العلماء . علمه وعبادته : ...